وهبة الزحيلي
308
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وافتتحها تعالى بالأكل من البيوت الخاصة بأصحابها للإشارة إلى التسوية بينها وبين تلك المواضع العشرة الباقية . وأسباب رفع الحرج في الأكل من هذه المواضع إذن : إما الملك الخاص وإما القرابة وإما الوكالة والاستئجار ، وإما الصداقة . والقرابة ، وكذا الملك الخاص للبيوت : تشمل بيوت الأبناء والآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات . والوكالة مفهومة من قوله : أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ فإنه يشمل عند جمهور المفسرين الوكلاء والعبيد والأجراء . والصداقة تبيح الأكل والشرب من بيوت الأصدقاء بغير إذن إذا علم أن نفس صاحب الشيء تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته ، أو لما بينهما من المودة . والصديق : من يصدقك في مودّته وتصدقه في مودتك ، ولكن لا يجوز الادخار والحمل ، واتخاذ ذلك وقاية لماله ، ولو كان المتناول تافها يسيرا . وكان صلّى اللّه عليه وسلم يدخل حائط ( بستان ) أبي طلحة المسمى ب ( بيرحا ) ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه . وبناء عليه ، لا تجوز في رأي المالكية شهادة الصديق لصديقه ، ولا شهادة القريب لقريبه . 3 - يباح الأكل منفردا أو جماعة ، وإن اختلفت أحوال الجماعة في الأكل كمّا وكيفا ، فللإنسان أن يأكل وحده ، أو مع القريب أو الصديق أو الجار أو أي شخص مسلم أو كافر . وقد نزلت الآية كما عرفنا في بني ليث بن عمرو من كنانة ، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده ، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله ، ومنه قول بعض الشعراء : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا ، فإني لست آكله وحدي أو أنها نزلت في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه ، أو في قوم تحرّجوا عن الاجتماع على الطعام ؛ لاختلاف الطباع في القزازة .